المنجي بوسنينة

270

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الثورة التي عرف بها في أفكاره ، ثورة على الجمود الفكري ، ثورة على التقليد الغربي ، ثورة على العمود الشعري ، ثورة على الاستعمار الفرنسي . ونحسب بأن هذه الروح الثائرة تعود إلى ما عرف به حمود منذ صغره من طموح منقطع النظير ، وإباء يكاد يكون كبرا ، وشغف بالاستقلال الفكري رآه بعضهم طيشا وغرورا ، فإنه « كان يرى منذ صغره أن المرء لا ينجح في حياته ولا يبلغ غايته إلا باتخاذه رأيا خاصا تزنده قريحته الوقادة ، فإن أصاب المرمى فذاك ، وإن أخطأ فالتجربة تربيه وتهذبه » [ الفتى ، ص 6 ] . وكان له موقف التحدي من التعليم المكتبي عندما لمس عقمه ، وتألم من فظاعة وسائله . هذا الميل المسيطر على نفسه هو ما يفسر لنا شغفه بمطالعة سير العظماء من الرجال ، شرقية كانت أم غربية . من القراءة الأولى لشعر حمود يتجلى ، وقد ملك عليه إصلاح شعبه وأمته تفكيره ، وكأن الفكرة الإصلاحية قد امتزجت بدمه ، فأعطاها كل ما يملك من قواه ، ولم يثنه من عزمه مستعمر حاول إيذاءه مرارا ، ولا جامد ناصبه العداء جهارا ، بل ، ولا ما عاناه من عذاب علة دائمة نهشت رئته ، وقد تطلع حمود إلى شرف الكفاح في الميدان الإصلاحي ، وتوطدت الصلة بينه وبين زعماء الحركات الوطنية شرقا وغربا ، يقرأ لهم ويدرس حياتهم بشغف . ووفقا لطبيعة حمود التي كانت تكره التكلف والتصنع ، وتمقت التقليد والاجترار ، ثار على الموضوعات التقليدية التي كان وما زال الكلاسيكيون يشغفون بها كالمدح والرثاء والغزل . وقد علل ثورته ضد هذه الموضوعات حين قال : « إن الرثاء والمديح ووصف القصور والمراقص والمعارضة والافتخار بمن سبق من الأمم البائدة ، إن لم يكن عظة تاريخية ، نحن في غنى عنها ما دام الشرق كله أو جله يئن تحت نير الغرب الثقيل ، وما دمنا ننظر إليه نظر العبد لسيده ، والضعيف للقوي الجبار . ولئن عرف بإنتاجه الأدبي المتنوع مقالة ، وشعرا ، وقصة ، وخواطر ، فإن أبرز هذه الفنون جميعها عنده هي آراؤه النقدية المتعلقة ببعض القضايا الأدبية ، لما امتازت به من أصالة وعمق وبعد رؤية . وانطلاقا من هذا المبدأ راح يدعو إلى وضع الشعر العربي في إطاره الصحيح ، ليتماشى مع واقع الأمة العربية التي أخذت عينيها للنهضة ، وفي هذا السبيل كان لا بد من تصحيح بعض الأحكام النقدية التقليدية التي ما تزال ملتصقة بعمود الشعر أيما التصاق ، تنظر إليه في الأغلب الأعم من جانبه الشكلي ، حتى استحال إلى عبث كلامي بين يدي بعض المبالغين الذين اعتبروا الزخرفة الكلامية ، والمحسنات اللفظية ، نهاية البراعة في التجربة الشعرية . وهؤلاء في نظر حمود هم الذين خنقوا أنفاس الشعر العربي حين قتلوه « . . بالتحسينات الكاذبة ، والاستعارات الفارغة ، والتشبيهات المملة ، وإفراغ المعنى القبيح في اللفظ المليح ، وإلزام ما لا يلزم ، وتعقيد العبارات ، والإتيان بالكلمات الغربية الغليظة الشبيهة بصلب الحجر » [ بذور الحياة ، ص 111 ] . ومن ثم كان على حمود أن يوجه نقده مباشرة إلى رائد المدرسة التقليدية أو مدرسة الإحياء ،